لويس شيخون وآخرين

38

مقالات فلسفية لمشاهير فلاسفة العرب ( المسلمين والنصارى )

اشمتّ عدوّك به فظاهرته على أخيك ومكّنته من بغيتك . فما أحقّك يا إسكندر ان تغتاظ ممّن طاعتك له هلاكك ومعصيتك له سلامتك وهو هواك ولعلّك يا إسكندر ترى ان عقوبتك تنكيل به عن الذنب أو زيادة في الأدب فان هممت بذلك فاصدق نفسك وفتش عن ضميرك وسريرتك دون ظاهرك وعلانيتك فانظر أجميل الذكر تريد أم شفاء الغيظ . فان كنت تريد الانتقام للغضب فان الغضب مرّ والمرّ لا يجنى ثمره حلوا . وان كنت تريد بعقوبتك إياه اصلاحه لك ولنفسه وجميل الذكر وان تنزع ذلك الذنب فإنك بالغ بالحرمان والوعيد والخفاء بعض ما يغنيك عن شدّة الصولة وعظيم العقوبة . ولا ينبغي ان تستعمل سيفك فيمن تكتفي منه بالحبس ولا تسرع بالحبس إلى من تكتفي منه بالخوف والوعيد فإنه بحسب أخلاق المذنبين وتفاوتها يجب أن تكون العقوبة وان استوت الذنوب . واعلم انك متى نلت مظلمة وفرطت منك عقوبة فان الذي آتيت إلى نفسك من ذلك اشدّ من الذي آتيت إلى المعاقب إذ لم تكن عاقبته بحق ولا الصلاح وحده قصدت بها . فتأنّ في امرك واجهد ان لا تبلي بسيفك وسوطك من كان بريئا ولا يسلم منك من كان لا يصلح الّا عليهما احذر الشهوات وليكن ما تستعين به على كفّها عنك علمك بأنها مذهلة لعقلك مهجنة لرأيك شانئة لعرضك شاغلة لك عن عظيم امرك لأنها لعب وإذا حضر اللعب غاب الجدّ ولا يقوم الدين والدنيا الّا بالجدّ . فان نازعتك نفسك في الشهوات واللّذات واللهو فإنها قد نزعت بك إلى شرّ منزلة وأدناها واخسّها واسقطها وان أرادت منك خلاف السنّة فغالبها اشدّ المغالبة وامتنع منها اشدّ الامتناع وليكن مرجعها منك إلى الحق فإنك متى تترك الحق فلست تتركه الّا إلى الباطل ومهما تترك الصواب فإنما تتركه إلى الخطأ . فلا تداهن نفسك في الهوى اليسير فتطمع منك في الكثير ولا يرحبنّ ذرعك بمفارقة صغير من الخطأ فانّ لكل عمل ضرّه . ومتى تعوّدت نفسك القليل تقدك إلى الكثير . لا تبطل عمرا لك في غير حق ولا تضع لك مالا في غير واجب « 1 » ولا تصرف لك قوة في غير غناء ولا تعدل رأيك في غير رشد وعليك بالحفظ لما أوتيت من ذلك بالجدّ فيه وخاصة العمر الذي كل شيء مستفاد سواه

--> ( 1 ) روى ابن أبي اصيبعة : لا تبطل لك عمرا في غير نفع ولا تضع لك مالا في غير حق